صديق الحسيني القنوجي البخاري
143
فتح البيان في مقاصد القرآن
إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو إثر صلاة الخوف أي فإذا فرغتم من الصلاة فاذكروا اللّه في هذه الأحوال ، فقيل معناها إذا صليتم فصلوا قياما وقعودا وعلى جنوبكم حسبما تقتضيه الحال عند ملاحمة القتال ، فهي مثل قوله : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً [ البقرة : 239 ] . والمعنى أن ما أنتم عليه من الخوف جدير بالمواظبة على ذكر اللّه والتضرع إليه ، وعن عائشة قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يذكر اللّه في كل أحيانه « 1 » أخرجه الشيخان . فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ أي أمنتم بعد ما وضعت الحرب أوزارها وسكنت قلوبكم ، والطمأنينة سكون النفس من الخوف فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي فأتوا بالصلاة التي دخل وقتها على الصفة المشروعة من الأذكار والأركان ، ولا تفعلوا ما أمكن فإن ذلك إنما هو في حال الخوف ، وقيل المعنى في الآية أنهم يقضون ما صلوه في حال المسايفة لأنها حالة قلق وانزعاج وتقصير في الأذكار والأركان ، وهو مروي عن الشافعي ، والأول أرجح وقال مجاهد : فإذا اطمأننتم أي إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة فأقيموا الصلاة ، قال أتمّوها أربعا من غير قصر ، وعن قتادة وابن المنذر نحوه . إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً أي فرضا محدودا معينا ، والكتاب هنا بمعنى المكتوب يعني مؤقتة في أوقات محدودة فلا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حال كان من خوف أو أمن ، وقيل المعنى فرضا واجبا مقدرا في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتين ، يقال وقّته موقوت ووقّته فهو مؤقت . والمقصود أن اللّه افترض على عباده الصلوات وكتبها عليهم في أوقاتها المحدودة لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا لعذر شرعي من نوم أو سهو أو نحوهما ، قال ابن عباس : موقوتا مفروضا ، والموقوت الواجب ، فلا بد أن تؤدى في كل وقت حسبما قدّر فيه . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 104 ] وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 104 ) وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ من وهن بالكسر في الماضي أو من وهن بالفتح أي لا تضعفوا في طلبهم وقتالهم وأظهروا القوة والجلد ، وقرىء تهانوا من الإهانة مبنيا للمفعول أي لا تتعاطوا من الجبن والخور ما يكون سببا في إهانتكم .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الحيض باب 7 ، والأذان باب 19 ، ومسلم في الحيض حديث 117 ، وأبو داود في الطهارة باب 9 ، وابن ماجة في الطهارة باب 11 ، وأحمد في المسند 6 / 70 ، 153 ، 178 .